faculté pluridisciplinaire de nador
مواضيع هذا المنتدى لا تضهر كليا إلا للأعضاء المسجلين فيه

وهــــــــــــــــــــــذه الرسالة تــــــــــفيد أنــــــك غير مسجل .

يــــــــــسعدنا كثيرا انـــــــــضمامك لمنتديـــــات الــكــلــيـة

اضغط تسجيل لـــــــــــــــتحضى بقراءة جميع المواضيع


faculté pluridisciplinaire de nador fpn
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأكثر شعبية
عناوين بحوث جامعية ورسائل تخرج حسب الشعبة القانون الخاص عربي
مقابل وحدات شعبة القانون ( s2-s4-s6) بين النظام الجامعي القديم والنظام الجامعي الجديد
متجدد: محاضرات القانون التجاري موسم 2014-2015
مصطلحات قانونية بالعربية والفرنسية
نموذج امتحان الدورة العادية 2014 للقانون الدستوري
المحاضرة الأولى في مادة الميزانية العامة للأستاذة عزيزة الغداني
محاضرة التنظیم الأداري
لأول مرة : كتاب الملك المفترس باللغة العربية
في الدستورانية العربية الجديدة
طالب يحاول الإنتحار بسبب عدم قبوله في سلك الماستر
فيسبوك المنتدى
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
Abdelhakelouajdi
 
Sara ynom
 
ServGroups Inc
 
طالبة علم
 
brahim elgalassi
 
ousamacosto
 
smart.com.sa
 
مبيعات الساعه
 
onlinewp
 

شاطر | 
 

 في الدستورانية العربية الجديدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Abdelhakelouajdi
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

ذكر عدد المساهمات : 14
نقاط : 1255
السٌّمعَة : 90
تاريخ التسجيل : 11/05/2013
العمر : 26
الموقع : fp-nador.com

مُساهمةموضوع: في الدستورانية العربية الجديدة   الخميس 5 مارس - 22:19

حسن طارق
الحوار المتمدن-العدد: 4598 - 2014 / 10 / 9 - 00:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية


في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،المواطنة،مدنية الدولة ونظام الحُكم.
د.حسن طارق .باحث بكلية الحقوق .سطات.المغرب.


بدأت الثورة،في بلدان الربيع العربي، بأن عرفت نفسها كتحرُك خارج الدستور، كإطار قانوني وكسقف سياسي، قبل أن تعود إليه لتدبير إنتقالات اليوم التالي للثورة، ثم سيكون عليها في وقت لاحق التفكير في تجاوزه، بعد نقاش متوتر حول نقطة البداية؛ الإنتخابات أم الدستور؟
في اللحظة الأولى يسود موقف الرفض "الأخلاقي" لدستور ما قبل الثورة، بإعتباره تعبيراً قانونياً عن التسلط ورمزاً للماضي، وفي الثانية سيتم تسويغ التعامل الإنتقائي مع بعض فصوله لتدبير "بياضات" التحول غير المُتوقع، ثم في الثالثة سيُطرح على الثورة الإختبار الأصعب: هل يمكن أن يكون دستورها أقرب ما يكون من روح الثورة، وفكرة القطيعة، أم سيتحول إلى مُجرد إصلاحات قانونية ومعيارية عابرة؟
-1-
تكتب الأنظمة الشمولية - عندما تحتاج الى ذلك دساتير تشبهها تماماً - تدون فيها ،بدون عقد نقص، ماتريده من سعادة مطلقة للدولة وللمجتمع والفرد ،و ترسم فيها الحاجة التاريخية للحزب الملهم أو للقائد الضرورة أو للزعيم الذي يحمل رسالة السماء ،كبديل عن حكم المؤسسات و شرعية الإنتخابات و رضا الناس.
الأنظمة السلطوية ،لا تملك نفس الشجاعة ،لذلك فهي تكتب دساتير لا تشبهها في شيء : تدبج فيها مقتضيات تمتح بدرجة معقولة من مرجعيات الحقوق والحريات ،و تقيم من خلالها مؤسسات "شكلية" للمراقبة والتمثيل والمشاركة .
ما تفعله بعد ذلك ،هو أنها تقذف بالقوانين والمؤسسات والمرجعيات ، في دائرة اللايقين والهشاشة .
فعلت السلطوية العربية بالدساتير ،ما تفعله عادة الأنظمة السلطوية بالقانون ،تريده خادماً طيعاً لأهدافها السياسية ،ولا تقبل به أبداً سيداً . سيادة القانون أمر منافٍ لطبيعة هذه الأنظمة ، حيث الدولة تحرص على ان تكون دولة قانونية دون أن تتحول الى دولة للقانون ،وحيث تضم الدولة عديداً من المؤسسات دون أن تصبح دولة للمؤسسات .
السلطة،في حالات السلطوية العربية، لم تخرج من بنوذ الدستور حتى تكن له الإحترام اللازم ،إنها وفقاً لايديولوجيتها التأسيسية ،سابقة عن الدستور نفسه ،وأسمى من الدستور ذاته ،إنها وليدة شرعية التاريخ البعيد ،أو هي تعبير عن إرادة الله في أرضه ،أو ترجمة لفكرة الثورة المجيدة ولتنظيمها الحزبي العتيد .
لذلك عوض أن تكون الدولة ،هنا ،محكومة بالدستور ،كنا أمام أنظمة سياسية سلطوية تحكم بالدستور،الى جانب باقي آليات الضبط الأمني والتوزيع الريعي .
ظلت السلطوية العربية ترمي بوثائق الدستور ،التي لم تستغني عنها لدواع تأثيت الواجهة الليبرالية المزعومة ،الى ظلال الهامش السياسي ،محولة إياها الى مايشبه المَجاز ،ومعرضة تطبيقها لنزعة تقريبية محكومة بالتقدير السياسي للحاكمين . إنها مجرد نصوص للإستئناس لابأس من الإستناد الى فصولها إذا كان ذلك في مصلحة السلطة ،و لا بأس من الإلتفاف والتحايل عليها بكل ممكنات الهندسة القانونية ،سواء باصدار قوانين ولوائح تفرغ المبادئ الدستورية من مضمونها وجوهرها ،أو بخلق مساحات من الإستثناءات التي تكاد في النهاية ان تخنق القواعد الأصلية لتتحول الى قاعدة عامة،وعندما لايمكنها أن تضمن الدستور الى صفها ،وتعجز عن تتفيهه بقوانين مشوهة ،أو بتعطيله لغاية مرور المرحلة الطارئة /الدائمة ،فانها في الأخير تعمد مباشرة الى انتهاكه وخرقه بلا أدنى هاجس أخلاقي!
أحداث ما بعد 2011، عززت الطلب على دستورانية عربية جديدة ،تقيد الحاكمين وتضمن الحرية ،و في أجواء الساحات العمومية ولدت مثالية دستورية جديدة ،تراهن على دور تغيير القوانين في تغيير مسارات التاريخ،لكن تطورات مابعد اليوم الموالي للثورة لم تكن بنفس الخطية "المتوهمة"، وخارج النجاح الإستثنائي للتجربة الدستورية ،صادف حلم الدستورانية العربية الجديدة ،الكثير من المتاعب .
لقد شكلت العودة القوية لشعار الدولة الدينية ،محاولة في العمق لوأد مستمر لفكرة الدستور نفسه ،وربما للإرتداد حتى على الثرات المرتبك للسلطوية العربية في مجال الدساتير . الدولة الدينية التي تبدأ في المنطلق بنفي ممكنات التعاقد القانوني بطابعه الوضعي والبشري والنسبي ،لتجعل في نهاية التحليل مرجعيات الحياة السياسية متعالية عن التاريخ والأرض .
كذلك فإن تصاعد الكثير من الإدعاءات الهوياتية ،شكل من جهته نسفاً مباشراً لفكرة المواطنة الدستورية ، والتي تربط الحقوق بالانتماء للمجموعة الوطنية ،بغض النظر عن اللغة أو الدين أو الطبقة أو الطائفة أو الجنس أو اللون .
وكما أنه لا يمكن تصور الحديث في نفس الوقت ، عن الدستور و عن منطق الدولة الدينية ،فانه لايمكن بتاتاً الجمع بين الدستور وبين خطابات الهوية التي تترك شروخاً في المواطنة وتكرس تمييزاً واضحاً بناءٍ على انتماءات ماقبل مواطنية!
من جهتها فان مؤشرات عودة "العسكر" للحياة السياسية في مرحلة مابعد الثورات ،من شأنها أن تطرح بحدة القلق حيال إعادة انتاج مساحات سلطوية واسعة خارج منطق الدستور و خارج دائرة المساءلة !
في هذا المقال نقترح تفكيك دستورانية الربيع من خلال التفكير في الأجوبة التي قدمتها دساتير مابعد الثورات ،لأسئلة الهوية وقضايا الدولة المدنية ومحددات الإنتماء الجماعي ، لموضوع نظام الحكم وإشكالية توزيع السلطة ، لمسألة السياسات القادرة على مواجهة إنفجار الطلب الاجتماعي المتزايد ،ثم لإشكاليات الحرية وحقوق الإنسان .
وهذا التفكيك هو الذي سيسمح بإعادة تركيب دستورانية الربيع ،وفق أربعة دساتير متجاورة و متداخلة ،هي دستور الهوية ،دستور السلط ،دستور الحقوق و دستور السياسات .
-2-

لم تبرز بعد، في تونس وليبيا واليمن، وفي مصر أيضاً التي جرٓ-;---;-----;---بت في نحو عام وثيقتين دستوريتين، وعلى الرغـم من مُرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء "الربيع العربي"، الملامح النهائية للجمهوريات الثانية. وهنا، فإن خصوصية الحالة الثورية العربية، من حيث غياب الطابع الأيديولوحي والتنظيم الثوري "المركزي"، أَثرت على تعقد مسارات الدٓ-;---;-----;---سترة، وعلى صعوبة إيجاد نماذج تفسيرية مُطابقة، تمتح من فرضياتٍ تقدمها المعرفة العلمية، المتعلقة بتدبير السؤال الدستوري، في لحظات الانتقال إلى الديمقراطية.
مأزق دستورانية الربيع العربي بدأ منذ الأيام الأولى التي تلت الثورات، مع إشكاليات تدبير الانتقال الدستوري، على ضوء الشرعية الثورية الطارئة، ثم مع النقاش المتوتر الذي انطلق بشأن ترتيب أجندات المرحلة الجديدة، وأخذ صيغة جدل التأسيسي والتمثيلي، ببروز السؤال: هل نبدأ بالانتخابات أم بالدستور؟
الاستقطابات السياسية الحادة للقوى والفاعلين داخل الدولة والمجتمع، في زمن ما بعد الثورات، أدت إلى نوعٍ من كثافة الطّلب على الدستور، فقد توالت الإعلانات الدستورية، أو حتى موجات الدٓ-;---;-----;---سْتٓ-;---;-----;---رٓ-;---;-----;---ة، والتي واكبت تحولات كبرى شهدتها هذه الدول، توزع الفاعلون بين اعتبارها موجة ثورية ثانية، أو ثورة مُضادة.
كثافة، لا شك، أنها أسهمت في تحميل المطلب الدستوري انتظاراتٍ كثيرة، وحتى الأوهام، التي، بعيداً عن أي تنسيب تاريخي، تجعل التفكير في اللحظة الدستورية تفكيراً في قطيعة مُتخيلة حادة، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من حيث الشّكل، لا تعد إعادة الاعتبار للسلطة التأسيسية المُنْتٓ-;---;-----;---خٓ-;---;-----;---بٓ-;---;-----;---ة في صياغة الدستور قاعدة عامة لكل هذا المسار، إذ عرفت الحالة المصرية لما بعد 30 يونيو/ حزيران 2013 مٓ-;---;-----;---نْحىً مُغايراً.
من حيث المضمون، فإن "انْفِجار" قضية الهوية، كأثر مُباشر لسقوط الأنظمة السُلطوية، شكل أول اختبار صعب لكٌتاب الدساتير؛ حيث انطلق النقاش التقاطبي بشأن مُحددات الانتماء الوطني بين العروبة والإسلام والهويات الثقافية الفرعية، وبشأن طبيعة الدولة، وطرحت قضايا الدولة المدنية، وموقع الشريعة الإسلامية في صناعة القانون. وبدا أن توافقاتٍ صُنِعت -على عٓ-;---;-----;---جٓ-;---;-----;---لٍ -داخل ساحات الربيع، بين الإسلاميين والعلمانيين، يمكن أَن تكون أكثر هشاشة مما نتصور.
مرجعيات الحراك الثوري، وقوة الحضور المُجتمعي التي طبعت الفعل السياسي في فورة ما بعد 2011، جعلت صياغة الدساتير تذهب في اتجاه الأجيال الجديدة من دساتير الحقوق، بتوسيع دائرة حقوق الإنسان المدسترة، وضمانات حمايتها، والمُشاركة المدنية عبر الانفتاح على أشكال جديدة من الديمقراطية المواطنة والتشاركية. كما أن اختلاط المطالب السياسية بأصوات الاحتجاج الاجتماعي جعل مسارات الدسترة تُعنى، أكثر فأكثر، بالسياسات العامة، وتعود، أكثر فأكثر، إلى الدساتير /البرامج نفسها.
هنا، تحاول الوثائق الدستورية، تحت ضغط زمن الاحتجاج، أن تتقمص جواباً مفترضاً على إشكاليات المجتمع وقضايا المواطنين الاقتصادية والاجتماعية وسؤال "السياسات"، فضلاً عن وظيفتها الأصلية جواباً على قضية السلطة وسؤال "السياسة".

-3-

يعود الجدل من جديد حول الدولة المدنية ،كأحد المفاهيم التي شكلت جزءاً من الإرتدادات الفكرية لموجة "الربيع العربي".نعم لقد كان المفهوم سابقاً بعقود عن أحداث 2011،لكنه ما كان ليحظى بمثل هذا الإنتشار والتداول والحضور العمومي لولا سياق مابعد الثورات .
حضورٌ يبدو في الواقع كمُوازٍ موضوعيٍ لغياب مفهوم آخر عن التداول العام ؛ليس سوى :العلمانية !
حيث لم يفض أزيد من قرنٍ على ولوج الفكرة العلمانية لساحة الفكر العربيً، سوى على تكريس إلتباساتها الايديولوجية،و عزلتها كاختيار سياسي،و إذا كانت جبهة الحداثة داخل خريطة التيارات الفكرية العربية المعاصرة ،لم تُجمع على تبنيها كإحدى مقومات النهضة الممكنة،إما بدعوى انها فكرة مستوردة (برهان غليون)،أو أنها ليست مطابقة للحاجة التاريخية العربية ،مثل مطلبي الديمقراطية و العقلانية (عابد الجابري)،فان الرهان على مسار "علمنة موضوعية صامتة"قادرة على فرض طابع "الزمنية"على الدولة الوطنية ،قد تعرض بدوره لفشل ذريع!
وهذا ماجعل الجهود الفكرية المنافحة عن مشروع العلمانية ،تعيش على ايقاع تصاعد التقليد و المحافظة و الإسلام السياسي داخل المجتمعات العربية،سياق جعل العلمانية تصبح بتعبير جورج طرابيشي كلمة "رجيمة"في سوق التداول المفاهيمي العربي.
و ربما مثل هذا الوضع ،هو الذي قد يكون جعل التيارات التقدمية ،داخل ساحات التغيير العربية، تشاطر التيارات الإسلامية شعار الدولة المدنية .
شعار يحفظ للعلمانيين دفاعهم عن مجال سياسي بشري ،و وضعي ،تسوده النسبية و شرعية الإقتراع العام ،و يجنبهم صدامية الدعوة المباشرة للعلمانية ،و يجسد خطوة مهمة في إطار مراجعات و تكيف الفكر السياسي للحركات الإسلامية ،مع متطلبات تدبير الشأن العام.
لذلك يمكن قراءة مطلب الدولة المدنية على ضوء السياق السياسي،كمفهوم توافقي تعزز في ظل ملابسات تقارب العلمانيين و الإسلاميين داخل ساحات الربيع العربي.
على أن الإختبار الأول لهذا التوافق كان هو لحظة كتابة دستور "أنظمة"مابعد الربيع العربي،حيث برزت قضايا الهوية ،و توصيف الدولة في علاقة بالدين،و موقع الشريعة في عملية صناعة القوانين ،إحدى أسئلة دستورنية الربيع العربي !
وهنا فإن التعاطي الدستوري مع هذه القضايا ، تغير بين حالات الهيمنة الايديولوجية ،و الغلبة السياسية أو التسوية التوافقية.
لقد رتبطت صياغة دستور الجمهورية الثانية أو دستور الثورة المصرية، عام 2012، بسياق لم يسمح بانتصار فكرة صنع الدستور ضمن مقاربة إستراتيجية ومجتمعية ،إذ تم تغليب التدبير التكتيكي لما أسمته البلاغة السائدة أنذاك بمعركة الدستور.
ولعل هذا المنطق هو الذي ساعد ،بالنسبة لبعض الباحثين ،القوى المهيمنة في مشهد ما بعد 25 يناير على التفاوض حول المكتسبات الظرفية التي تأمل تحقيقها من الدستور، وهنا انصب اهتمام القوى الإسلامية، خاصة التيار السلفي، على المواد الخاصة بمقومات الدولة والمجتمع، والتي اعتبرتها تمس هوية مصر.
كل هذا أنتج دستوراً يُجسد الهيمنة الإيديولوجية، ويُرسخ تجسيداً للوثيقة الدستورية المثقلة بالخطابات واللغة الأخلاقية والهواجس الهوياتية.
علاقة بميزان القوى السياسي الذي أنتج وثيقة الدستور المصري 2014،يمكن اعتبار هذا الأخير كمحاولة لتعطيل الإدعاءات الهوياتية التي جاء بها دستور 2012.
فالمؤكد أن الطابع الجوهري للدستور المصري الثاني بعد الثورة ، يبرز أساساً من خلال إعادة النظر في المواد المتعلقة بالهوية والتي جاء بها الدستور المعطل، سواء بتأثير من الحالة السياسية كما بعد ثورة 25 يناير أو يضغط كبير من أنصار التيار السلفي.
وهكذا تم إلغاء الصياغة المثيرة للجدل التي تضمنها دستور 2012 والتي تشترط أن يُستشار الأزهر في المسائل المتعلقة بالشريعة الإسلامية.
وقبل ذلك سيتم تغيير صياغة الفصل الأول الذي عوض أن ينص على كون الشعب المصري جزء من الأمتين العربية والإسلامية، أصبح يُعرف الشعب المصري كجزء من الأمة العربية (حيث) يعمل على تكاملها ووحدتها، معتبراً أن مصر جزء من العالم (وليس الأمة) الإسلامي، تنتمي إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الأسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية.
واختفى التنصيص الواردة في المادة السادسة من الدستور الاول لمابعد الثورة ،والذي يتحدث عن الديمقراطية والشورى كمقومتين للنظام السياسي.
من حيث اللغة فإن صائغي دستور2014، جردوا الدستور السابق من الكثير من اللغة الاجتماعية والأخلاقية المتحفظة، وحتى عندما يحضر هذا الطابع اللغوي فإنه يبدو رمزياً أكثر مما هو قانوني.
هل مع كل التعديلات، يمكن اعتبار دستور 2014، دستوراً للدولة المدنية ؟
الجواب ليس مؤكداً، فالبعض يعتبر أن لجنة الخمسين، والتي يُفترض أنها ذات أغلبية مدنية، قد ضحت بالدولة المدنية مقابل تعديلات متوسطة لأهمية تناسب موقفها من التيار "الإخواني" وإنها في المقابل لم تعمل سوى على دسترة "الدولة العميقة "،واضعة مفهوم الدولة المدنية نفسه -كمقابل هذه المرة لحكم العسكر- موضع تشكيك.
وضمن منطق بعيد عن مقاربتي الهيمنة أو الغلبة ،تم تدبير الملف الدستوري في جوابه على الأسئلة الملتهبة حول الهوية، ومآل الدولة المدينة، وعلاقة الشريعة الإسلامية بالقانون ، في الحالة التونسية بكثير من روح التسوية والتوازن .
هكذا زاوج الدستور التونسي في توصيفه للدولة، بين اعتبارها من جهة دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة،الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها، وبين اعتبارها من جهة أخرى دولة مدينة، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب، وعلوية القانون .
الدولة المدينة هنا تعني بمنطوق ديباجة هذا الدستور، الدولة حيث الحكم للقانون والسيادة للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها.
نفس التوازن سنجده في مقتضى آخر، يعتبر من جهة الدولة راعية للدين، ومن جهة أخرى كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي.
لقد أعادت -إذن- الثورات العربية و دساتيرها ،موضعة مفهوم "الدولة المدنية" كشعار مرحلي يسمح بتوافق الإتجاهات الاساسية داخل كل من الإسلاميين و العلمانيين ،والواقع أن الطابع التكتيكي و السياسي لمضمون " الدولة المدنية "، سيبرز قابليته الكبيرة للتأويل ،خاصة من طرف بعض تيارات الإسلام السياسي و التي دافعت مثلاً عن تصور الشيخ القرضاوي الذي تحدث على "الدولة المدنية بالمرجعية الإسلامية".
وهنا فإن هشاشة المضمون السياسي الذي تم إعطائه لهذا المفهوم ،ترجع في نفس الوقت لإرتهانه بمعطيات السياق السياسي،خاصة مع بعض المآلات غير السعيدة لوحدة "النضال الميداني"بين الإسلاميين و العلمانيين ،في لحظة "الساحات العمومية".
وهو ما يجعل الأسئلة العميقة حول علاقة الدين بالسياسة ،و الحداثة السياسية و الإصلاح الديني و المواطنة ،تعود لتظهر من جديد،كاشفة الحدود التي يحملها مفهوم "الدولة المدنية " نفسه.
في نهاية التحليل فإنه من المهم التأكيد على أن قابلية هذا المفهوم لتشكيل أرضية توافقية سياسية/دستورية ممكنة بين الإسلاميين و العلمانيين ،لا يجب أن تلغي -بعيداً عن منطق التسويات-الحاجة الفكرية لتجديد واستمرار الترافع من أجل العلمانية كأفق تاريخي لمصالحة العرب مع الحداثة.

-4-

إذا كانت مدنية الدولة قد شكلت عقدة النقاش الذي إستغرقته المرحلة التأسيسية لمابعد الثورات ، في موضوع الهوية ،فإن السُلطة التنفيدية قد شكلت بالموازاة مع ذلك عقدة النقاش في موضوع نظام الحُكم .
وهكذا تعايش داخل دستورانية "الربيع العربي" قلق الدستور الثقافي ،بأسئلته الحرجة حول إعادة تعريف المجموعة الوطنية،و إشكاليات الإنتماء،وعلاقة الدين بالدولة ،وقضايا الحقوق الثقافية ،مضافٌ إليه توتر الدستور السياسي ،بالجدل الكبير حول إختيار طبيعة النظام السياسي لمابعد الثورة.
لقد كان على النُخب العربية أن تعيد إنتاج جدل - كان يبدو كلاسيكياً و مُتجاوزاً - حول أفضلية النظم السياسية وأكثرها ديمقراطية :الرئاسية أم البرلمانية أم المُختلطة، لكن هذه المرة بشكل بعيد عن أن يتعلق الأمر بمجرد قناعات أكاديمية متقاطعة ،فوراء كل إختيار كانت تبدو بوضوح رهانات الفاعلين السياسين و تقديراتهم الظرفية و تقييمهم الذاتي لحجمهم الإنتخابي ولحجم خصومهم.
لقد عرفت النقاشات بشأن هندسة السلطات، على عكس ما كان متوقعاً، انتصاراً واضحاً لاختيار راهن على تصحيح "الرئاسوية"، وتقليم مظاهرها "السلطوية"، في مقابل انحسارٍ بٓ-;---;-----;---يٓ-;---;-----;---نٍ للدعوات البرلمانية. وفي لحظات كثيرة، قُدمت مزايا النظام الرئاسي المُعقلن، أَو حتى شبه الرئاسي، ضمانةً مؤسسيةً لتجنب مخاطر الانزلاق "المُمْكن"، والذي قد يحمله الاختيار البرلماني، من حالة الدولة الاستبدادية إلى حالة الدولة الفاشلة.
حجج المدافعين عن تصحيح "الرئاسية العربية"، عوض تبنّي دساتير، تذهب رأساً نحو صيغة برلمانية، تضمنت مقاربة "محافظة"، انطلقت من الإقرار بضعف النسيج الحزبي وهشاشة الثقافة السياسية، الضرورية لنجاح الأنظمة البرلمانية، ثم عرجت على ما قدٓ-;---;-----;---رت أنه حاجة اجتماعية عميقة لدى الشعوب العربية، للتماهي مع قيادة سياسية/ شخصية قوية.
وهكذا شكل هذا النقاش فرصة لإختبار الحجج المتبادلة دفاعاً عن كل إختيار من الإختيارات ، حيث ذهب المترافعون من أجل نظام الحكومة البرلمانية إلى إستحضار الحاجة الماسة للقطيعة على مستوى الهندسة الدستورية ،إنطلاقاً من مسؤولية الإنحراف الرئاسوي الذي عرفته مؤسسات الأنظمة السياسية في الوصل إلى لحظة الإنفجار الكبير لعام 2011.
بل إن الإختيار البرلماني كثيراً ما تم تقديمه - خاصة من طرف الفاعلين القادمين من معارضات صعبة للسلطوية- كآلية مؤسساتية لعدم تكرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
في المُقابل فإن المدافعين عن الإختيار الرئاسي أو المختلط ،إنطلقوا من ضرورة الحرص على تفادي إختصار الديمقراطية في النظام البرلماني ، ومن نفي مسؤولية الإختيار الدستوري الرئاسي في إنتاج حالة العطب المؤسساتي والإستعصاء الديمقراطي العربي ، معتبرين أن ضعف البنى والتقاليد الحزبية ،و طبيعة الثقافة السياسية السائدة ،ومخاطر التحول الإنتقالي الهش ،كلها عوامل ترجح لديهم الحاجة الى نظام سياسي يقوده رئيس بصلاحيات قوية ، في حدود ما تقره مبادئ المساءلة السياسية و الرقابة الديمقراطية .


-5-

لقد تحكم في صياغة دساتير تونس و مصر ، في باب نظام الحُكم ، هاجسين أساسيين يتعلق الأول بالحرص على معالجة الإختلالات الفادحة في توازن السلط والمؤسسات ،عبر محاولة إعادة التوازن لعلاقة كل من الحكومة و السلطة التشريعية مع الرئيس ،بشكل يسمح من جهة بخروج الحكومة من ظل الرئيس وتحولها الى شريك فاعل ،و من جهة بحل إشكالية اللامسؤولية السياسية للرئيس أمام البرلمان .
الهاجس الثاني ،إرتبط بمحاولة إعادة إنتشار الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية ، عن طريق " أنسنة" و تحجيم الصلاحيات التنفيدية للرئيس ،و تقوية قائمة الصلاحيات المستقلة التي تتوفر عليها الحكومة ،تم تكريس نمط جديد من تقسيم السلطة التنفيدية بين الرئيس والحكومة
في النهاية فإن التفاوض وإعادة التفاوض حول نظام الحكم بين فاعلي مشهد مابعد الثورات ،سمح بإنتاج نظام دستوري مُختلط بتونس ،يتأسس على تقسيم للسلطة بين صلاحيات ذات طابع سيادي و ثمتيلي للرئيس ،وبين صلاحياتئ تدبيرية للحكومية تهم السياسات العمومية غير ذات العلاقة بالدفاع والأمن القومي والخارجية.
و بإنتاج نظام دستوري رئاسي مُعقلن في مصر ،إحتفظ فيه الرئيس بقُبعتي رئاسة الدولة والسلطة التنفيدية في نفس الأن ،وإذا كان لا يتأسس على نفس التقسيم الواضح للصلاحيات التنفيدية في الحالة التونسية ،فانه يحاول أن يعيد التوازن لنظام رئاسي شهد إنحرافات رئاسوية كبرى ،عبر عقلنة صلاحيات الرئيس و نقل الحكومة من حالة الشريك الثانوي الى وضع أكثر تقدماً.
إعادة تركيب المواقف والأحداث السياسية في البلدين خلال مخاضات الدسترة،من شأنه أن يوضح الطبيعة التوافقية لنظام الحكم الذي تم إقراره في تونس ،و الذي يبدو من خلاله حجم التنازل الذي قدمته مثلاً حركة النهضة التي تشبتت في البداية بفكرة نظام الحكومة البرلمانية القوية و الرئيس المحدودة صلاحياته ، في مواجهة تمسك ممثلي القوى الليبرالية واليسارية بالنمودج الرئاسي.
أما في مصر فالملامح الكبرى لنظام الحكم لم تتغير كثيراً بين دستور 2012،و دستور 2014،و هو ما يعني كما لاحظ الباحثون ؛أن شكل النظام الذي كان موضوع توافق بين الجيش و ممثلي الدولة العميقة من جهة و الإخوان من جهة أخرى عام 2012 ،هو نفسه الذي شكل أرضية التوافق الجديد بين الجيش و ممثلي الدولة العميقة من جهة و أعداء الإخوان من جهة أخرى عام 2014.
هل شكلت الدساتير ،في زمن الربيع العربي ، تدويناً لروح الثورات ،أم كتابة لتسويات اليوم التالي للثورة ؟هل الدستور العربي الجديد هو الدستور الذي يستحق "العربي الجديد"الذي بزغ في ربيع 2011؟ أسئلة يقدم الجواب عنها العديد من مسالك قراءة الدساتير الجديدة.


-6-

تنهض "دستورانية الربيع العربي"على إمكانية قراءة النُصوص الدستورية المُنتجة ،بعيداً عن كونها إعلانات عن الهوية الجماعية أو مواثيق لتوزيع السلطة أو صكوكاً للحقوق ، كدساتير للسياسات العمومية ،بالمعنى الذي تحاول فيه بغض النظر عن طبيعتها المعيارية ،أن تُقدم نفسها كذلك كجواب على فورة الإحتجاج الشبابي و الجماهيري و الشعبي التي جسدتها الإنفحارات الثورية لعام 2011.
هكذا يشكل الدستور المصري لعام 2014، حالة مدرسية لنا يمْكن المُغامرة بتسميته "دستوراً للسياسات العامة"،حيث تجاوب النٓ-;---;-----;---ص القانوني الآسمى مع سياقه الإحتجاجي ،ومع فورة الطلب الإجتماعي الذي تسارع مع تأثير التحولات الاقليمية ،و هو ما جعل صياغة الدستور ،تٓ-;---;-----;---عود بقوة الى تبني نٓ-;---;-----;---فٓ-;---;-----;---سٍ برنـامجيٍ ،طبع أجيال قديمة من الدساتير العربية و الغربية.
ولاشك هنا أن الدستور المصري إستند على ثرات الدولة الناصرية بنزعتها التدخلية و بدستورها البرنامَجِيُ الطابع و"الإشتراكي" الأسلوب .
الدستور التونسي ،من جهته ،كذلك يسمح بالإنتصار لفرضية أثر الإحتجاج الإجتماعي والسياسي على الصياغة ذات النفس البرنامجي ،والحريصة على تدوين جزءٍ من الإلتزامات الإقتصادية و الإجتماعية للدولة وتحديد الإطار المرجعي العام لتدخلاتها وسياساتها.
خاصة أنه أفرد فصلاً كاملاً للشباب كقوة فاعلة في بناء الوطن ،ملزماً الدولة بالحرص على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدراته وتفعيل طاقاته والعمل على تحمله المسؤولية و توسيع إسهامه في التنمية الإجتماعية والإقتصادية و الثقافية والسياسية.
إن إستعراض مايمكنه توصيفه بدستور السياسات ،داخل الوثائق التأسيسية لمرحلة مابعد إنفجارات 2011،يوضح كثافة الإلتزامات التي يضعها الدستور على عاتق الدولة والحكومات في مجال السياسات بأبعادها الإجتماعية والإقتصادية والثقافية،و من جهة أخرى يبدو الإهتمام أكثر تركيزاً على الجوانب الإجتماعية سواء من خلال سياسات الأسرة،سياسات المساواة ،سياسات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية،سياسات التعليم والبحث الجامعي..
والواقع أن هذه الكثافة تجعلنا ،مثلاً في حالة الدستور المصري،نتجاوز وضعية الدستور الذي يحدد الإطار القيمي والمرجعي و المذهبي للسياسات العمومية،الى مايشبه تصريحاً للسياسة العامة او برنامجاً حكومياً أو حتى قانوناً للميزانية السنوية،فالمادة 18 من الدستور المذكور تلزم الدولة بتخصيص ما لا يقل عن %3 من الناتج القومي الإجمالي ،للإنفاق الحكومي في مجال الصحة ،فيما تلزم المادة 19 الدولة بتخصيص ما لا يقل عن%4 من ذالك الناتج للانفاق في مجال التعليم ،ونفس الصيغة نجدها عندما يتعلق الأمر بالإنفاق العمومي في مجالات التعليم الجامعي(%2)،و البحث العلمي(%1).
لكن السؤال الضروري هنا ؛هو هل لهذه الكثافة معنى ؟وهل ثمة فكرة مركزية ناظمة لكل هذه الإلتزامات و الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية؟
ساهمت في الواقع ،الحالة الثورية التي شهدتها بلدان الربيع العربي ،في سياق إنفجارات 2011، في عودة "يوتوبيا" المساواة والعدالة الى المخيال السياسي الجمعي للشعوب التي ربطت بين الثورة وبين "العِيشْ"و الكرامة .
ورغم الدور المتواضع الذي لعبه اليسار عموماً في هذا الحراك الثوري ،فان إسهام نشطاء مدنيين منفتحين على دينامية الحركات الإجتماعية العالمية في النقاش العام ،جعل جزءاً من المطالب التأسيسية يرتبط بفكرة الدستور الإجتماعي ،والدستور المُفصل ،المُستوحى من دساتير الجيل الرابع.
هذه الدساتير التي جعلت ،النقاش حول مدى فعلية الحقوق الإقتصادية والإجتماعية ،شبه متجاوز ،إذ أن الحماية القضائية لهذه الحقوق تحولت بشكل كبير ،بغض النظر عن الطبيعة الإيجابية للحقوق الإجتماعية ،إنطلاقاً من الأسلوب الجديد المستعمل في هذه كتابة الدساتير "الإجتماعية"،والمتميزة بالكثير من التدقيق و التفصيل،مما يجعلها تتجاوز أزمة الخلل الذي طالما إتسمت به الصياغة الدستورية لقيم العدالة التوزيعية ،و عدم وضوح القواعد الدستورية الضامنة للحقوق والحريات الإجتماعية وتحقيق المساواة
إن مساءلة دساتير الربيع العربي ،على ضوء الإطار المعياري لدساتير الجيل الرابع ،يجعل هذه الدساتير رغم ظغط فكرة العدالة الاجتماعية ،داخل سياق الثورات ،وبالرغم من كثافة الإلتزامات الإجتماعية التي وضعتها هذه الدساتير على عاتق الدولة ،بعيدة عن تمثل فكرة دساتير الحماية الإجتماعية ،ومفتقدة رغم نفسها الإجتماعي للروح الناظمة و للفكرة المركزية المُعبرة عن تصور إجتماعي/إقتصادي مُنسجم ،حيث كثيراً ما يغلب مايسميه الأستاذ سمير مرقص بطابع "التهجين النصي المُضلل بين المتناقضات ،والذي لايمنع من تذييل بعض النصوص بكلمات حول العدل دون الدخول في تفاصيل البنية القانونية،"
ذلك أن صياغة "دستور السياسات" لا توحي بوجود مرجعية فكرية و مذهبية واضحة و منسجمة ،تحدد الإطار العام للتدخل الإقتصادي و الإجتماعي ،و هو ما يجعل مثلاً بعض الباحثين يتحدثون غن غياب الهوية الإقتصادية للدستور المصري لعام 2012،و هي ملاحظة لا شك أنها تنسحب ،نسبياً ، كذلك على دستور عام 2014، رغم أن لجنة صياغته حرصت على نوعٍ من التنقيح "الإيديولوجي" لدستور 2012،الذي ظل يحتفظ،على مستوى المعجم، ببعض بقايا الفلسفة "الإشتراكية"لدستور 1971،من خلال تأكيد بعض مواده على فكرة التخطيط مثلاً ،و هي المواد التي أُعيدت كتابتها في الدستور المصري الجديد.
ولاشك أن الأمر يعود في نهاية الأمر الى طبيعة موازين القوى التي حكمت عملية صياغة هذه الدساتير،خاصة في علاقة القوى السياسية داخل مشهد مابعد الثورة ،مع فكرة العدالة الإجتماعية وطبيعة تفضيلاتها الايديولوجية ،وكذا الى أولوية مسألتي الهوية ونظام الحكم على سؤال طبيعة النظام الإجتماعي و الاقتصادي المأمول.
حيث أن العديد من الباحثين إنتبهوا الى أن السياق العام أسهم ،مثلاً في الحالة المصرية،في إنتاج دساتير محكومة بتوافقات سياسية تكتيكية بعيدة عن منطق التعاقد الإجتماعي البعيد المدى.


-7-

أقرت توطئة الدستور التونسي ،بضمان الدولة لعلوية القانون و إحترام الحريات وحقوق الإنسان وإستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات ،مذكرة بتمسك الشعب بالقيم الانسانية ومبادئ حقوق الانسان الكونية السامية،كما أكد الفصل الثاني من الدستور المذكور على أن تونس دولة مدنية ،تقوم على المواطنة ،وإرادة الشعب ،وعلوية القانون.
وفي نفس السياق حرصت ديباجة الدستور المصري على إعتباره دستوراً يفتح طريق المستقبل ،يتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، يصون الحريات،يحقق المساواة في الحقوق والواجبات دون أي تمييز.كما اعتبرت المادة الخامسة من الدستور المذكور ،أن النظام السياسي يقوم على أساس التعددية السياسية والحزبية ،والتداول السلمي للسلطة ،والفصل بين السلطات والتوازن بينهما،وتلازمهما المسئولية مع السلطة ،واحترام حقوق الانسان وحرياته .
وإذا كانت الديباجة السابقة ،قد ذكرت بمشاركة المصريين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،و بموافقتهم عليه ،فإن المادة 93،نصت على إلتزام الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان التي تصدق عليها مصر،وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها .
أما الفصل 20 من الدستور التونسي ،فقد أقر بسمو المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها ،على القوانين ،رغم انها تبقى أدنى من الدستور.
من جهة أخرى خصص الدستور التونسي بابه الثاني ،للحقوق والحريات ،حيث إستعرض على إمتداد وثيقة حقيقية للحقوق ،من خلال ثلاثون فصلاً كاملاً (من الفصل 21،الى الفصل 49) ، تكريس الدولة التونسية لاعترافها والتزاماتها بحزمة من الحقوق المدنية والسياسية ،و الإقتصادية والإجتماعية ،و البيئية والثقافية،كما أكد على أن الدولة تضمن للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة.
كما عمل المشرع الدستوري التونسي ،على تحصين مكتسبات حقوق الانسان ،من أي تعديل دستوري (ف 49).
أما الدستور المصري ،فخصص بابه الثالث ،للتطرق من خلال إثنين وأربعين مادة،للحقوق والحريات والواجبات العامة،(من المادة 51،الى المادة 93)،التي تلتزم الدولة بحمايتها ،
واعتبر أن النصوص المتعلقة بمبادئ الحرية والمساواة ،غير قابلة لاي تعديل دستوري مالم يكن متعلقاً بالمزيد من الضمانات (م 226).
التكريس الدستوري لحقوق الانسان تعزز داخل دساتير الربيع ،كذلك من خلال التقدم المنجز على مستوى الدعامات الاساسية لطبيعة النظام السياسي ، خاصة من خلال الإقرار بسيادة القانون كأساس للحكم في الدولة (م 93 من دستور مصر)،أو اعتبار المواطنة وإرادة الشعب ،وعلوية القانون من مقومات الدولة (ف2 من دستور تونس).
رغم أن دساتير ما قبل 2011،ظلت تتضمن العديد من مقتضيات الحقوق والحريات ،فان دساتير الربيع قد شكلت من الناحية المعيارية تقدماً ملحوظاً على مستوى تكريسها لمبادئ حقوق الإنسان ،لقد أصبحنا من حيث الهندسة العامة لهذه الوثائق أمام جيل الدساتير التي هي بمثابة صكوك للحقوق والحريات،وانتقلت الصياغة نحو مزيد من التدقيق والتفصيل وتقييد المشرع العادي في وظيفته كمحدد لضوابط قواعد الحقوق والحريات ،و تعزز هاجس البحث عن الضمانات القضائية والمؤسساتية ،و تقوت الدعائم الأساسية لثقافة الحقوق والحريات سواء من خلال تكريس الفصل بين السلط ،أو إبراز أهمية التشريعات الدولية في مجال حقوق الانسان ،أو الاهتمام المتنامي بمبدأ دولة القانون ،وترسيخ مبدأ المسؤولية وربط الممارسة بالمحاسبة.
وإذا كانت علاقة حقوق الانسان بالديمقراطية ،تبقى إحدى الجدليات المهيكلة لمرحلة الخروج من السلطوية ،فانه على مستوى الممارسة السياسية ،يبقى مستقبل احترام المقتضيات الدستورية والقانونية التي تكفل الحقوق والحريات ،مرتبطاً أشد الإرتباط بالتقدم الحاصل على مستوى الديمقراطية والمشاركة السياسية ،وهو ما من شأنه أن يقدم فرصة تاريخية للنهوض بحقوق الانسان ،كما من شأنه في المقابل ان يجعل ملف الحقوق والحريات ،أحد ضحايا الإرتدادات السلطوية الممكنة في مرحلة الانتقال المعقد نحو الديمقراطية.

-8-

تسمح التحاليل السابقة ، بقراءة موقع السؤال الدستوري داخل مرحلة مابعد الثورات ، وهذا ما جعلنا ندرك حجم الرهانات والانتظارات التي حملتها عملية الدسترة ،والتي لم يكن مطلوباً منها بناء ميثاق سياسي جديد فقط ،بل وجدت نفسها في مواجهة العديد من التحديات الثقافية والهوياتية والبرنامجية ،التي تتجاوز بطبيعتها ، وظائف وتقنيات و حدود الهندسة الدستورية .
لقد أسهمت حالة عودة السياسة ،التي أنتجتها الأوضاع الثورية ،في البلدان العربية في مرحلة مابعد انفجارات 2011،في إرتفاع منسوب الطلب على الدسترة ،وفي تضخم المطالب المرفوعة في وجه المجالس التأسيسية ،بما في ذلك كثير من المطالب "غير الدستورية"بالطبيعة والتعريف.
هل شكلت الدساتير، في زمن الربيع العربي، تدويناً لروح الثورات، أم كتابة لتسويات اليوم التالي للثورة ؟
هل الدستور العربي الجديد هو الدستور الذي يستحق "العربي الجديد" الذي بزغ في ربيع 2011؟
هل شكلت دساتير مابعد 2011،ترجمة مؤسسية وقانونية ومعيارية للعقد الاجتماعي والسياسي الجديد؟
أسئلة يقدم الجواب عنها العديد من مسالك قراءة مآلات التجربة الدستورية الجديدة.
عموماً فإن المرحلة القادمة؛ مرحلة ما بعد الدسترة سيكون من شأنها أن تدعونا إلى تنسيب كثير من الأوهام التي عادة ما تصاحب الرهان على آثار سياسية فورية لتغييرات قانونية ومعيارية، وإلى إستحضار عدم التطابق النظري والتاريخي بين الدستورانية والديمقراطية.
اذا كانت التجربة الدستورية التونسية ،تبدو لحد الآن ،أكثر إثارة للاهتمام ،على مستوى طابعها التوافقي ،
و بالنظر لقدرة الفرقاء السياسيين على تغليب قاعدة الحوار و التنازلات المتبادلة ،على لعبة تحويل التقاطبات الايديولوجية الحادة و المفتوحة الى الشارع، فان مسار الدسترة في مصر ، يعيدنا الى المربع الأول للتحليل ،حيث هشاشة التعاقدات الدستورية ترتبط بالتسويات الظرفية والمرحلية بين الفاعلين في مشهد مابعد الثروات ،و حيث طاولة الحوار التأسيسي ،سواء في 2012،أو في 2014،لم تتسع لتشمل كل مكونات الخريطة السياسية الوطنية .
الدرس المستخلص في هذا السياق ،يتجلى في كون التأطير الدستوري لمرحلة التحول السياسي ،بالقدر الذي قد يسمح بتحصين هذا التحول و بتكييفه كمسار للخروج من السلطوية ،بالقدر ذاته الذي قد يصبح نفسه تقنيناً لعودة معلنة للسلطوية ،ودسترة "مقنّعة" للدولة العميقة .
إن التعاقد الدستوري ،لايكفي عادة لتدشين مسار الانتقال الى الديمقراطية ،لكنه يبقى مؤشراً أساسياً لقدرة النخب والقوى السياسية والاجتماعية ،على الالتزام بقواعد عملية سياسية جديدة ،تنهض على التداول السلمي ،و دورية الانتخابات ،وفصل السلط،واحترام الحقوق والحريات .
لذلك فان قياس درجات التحول السياسي ، لا يرتبط فقط بوجود الدستور كوثيقة سياسية وقانونية في حد ذاتها ،بل بمدى استبطان النخب لفكرة الدستورانية ،و لمبادئ سمو القانون الأسمى ،و لوظيفة الدستور الأصلية في تقييد السلطة .
وهذا مايعني أن الخروج من السلطوية ،بالقدر الذي يتطلب وثيقة دستورية جديدة ،بالقدر ذاته الذي يتطلب شرطاً ثقافياً وسياسياً ،يترجم في صيغة ثقافة دستورية جديدة ،تخرج النصوص الدستورية من دائرة الهشاشة واللايقين و التقريبية .
لذلك سيكون ،علينا أن نتذكر كثيراً ،أن أصل العطب العربي يكمن في الطبيعة السلطوية للأنظمة، وأن الخروج من السلطوية مسار طويل ومعقد، يشكل البناء الدستوري أحد مداخله المُمكنة وليس سُدرة منتهاه.
إن الجمهورية العربية الثانية ،بالقدر الذي تتطلب وثيقة دستورية جديدة ،بالقدر ذاته الذي تحتاج -في العمق-شرطاً ثقافياً وسياسياً ،يُترجم في صيغة ثقافة دستورية جديدة ،تُخرج النصوص الدستورية من دائرة الهشاشة واللايقين و التقريبية.


عناصر بيبيوغرافيةSadكتب،مقالات ،أوراق بحثية).
- الكتب :
باللغة العربية :

- نبيل عبد الفتاح "النخبة والثورة : الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية "دار العين للنشر (القاهرة.2013).
- محمد شريف بسيوني /محمد هلال "الجمهورية الثانية في مصر ".دار الشروق (القاهرة.2012).
- عماد الفقي "الدستور ..الحالة المصرية: أسئلة وإجابات في ضوء الدساتير المقارنة ".(المنظمة العربية لحقوق الإنسان.القاهرة.2012).
- كمال عبد اللطيف"الثورات العربية تحديات جديدة و معارك مرتقبة"منشورات كلية الآداب الرباط ،سلسلة بحوث ودراسات رقم 61.سنة 2012.

باللغة الفرنسية:

- Azzouzi(A)-Cabanis(A)"le Néo-constitutionalisme Marocain à l epreuve du ---print---emps arabe"l harmattan,2011.
- المقالات :
باللغة العربية:


- سمير مرقص "الدساتير وتقدم الأوطان ..السياقات والتجليات"مجلة الديمقراطية ،السنة 14،العدد 53،يناير2014.
- د.عليان بوزيان "القيمة الدستورية لمبدأ العدالة الإجتماعية والحماية القضائية له:دراسة تطبيقية مقارنة على الدساتير العربية الحديثة".مجلة"الأكاديمية للدراسات الإجتماعية والإنسانية "العدد10.يونيو 2013.
-كمال عبد اللطيف " الجدل الدستوري في الراهن العربي" مقال منشور بموقع "مؤمنون بلا حدود .
a study
باللغة الفرنسية.
- Mathieu TOUZEIL-DIVINA, "---print---emps et Révolutions arabes : un renouveau pour la séparation des pouvoirs ?", Pouvoirs, revue française d’études constitutionnelles et politiques, n°143,novembre 2012.

- الأوراق البحثية :

- وحدة تحليل السياسات "دستور بالغلبة :نظرة مقارنة بين دستور 2012،ومشروع دستور 2014"،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،يناير 2014.
- فاروق،ياسمين "صنع دستور الثورة المصرية بين العقد الإجتماعي والتعاقد السياسي"ورقة بحثية منشورة في موقع مبادرة الإصلاح العربي ،غشت 2013.
- صبحي،مجدي "الإقتصاد و الحقوق الإقتصادية في الدساتير المصرية "دراسة منشورة بموقع مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية.
- بيومي،محمد "الاعلام في الوثائق الدستورية لدول الربيع العربي"أوراق منتدى البدائل العربي للدراسات (القاهرة.أبريل 2014).
- ناثان براون /ميشال دن "مشروع الدستور المصري يكافئ الجيش والسلطة القضائية "،مركز كارينغي للشرق الأوسط ،دجنبر 2013.
- عبد المولى، عزالدين "أضواء على التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي "،مركز الجزيرة للدراسات ،فبراير 2013.
- المسعودي ،أمينة"الإصلاحات الدستورية في العالم العربي :ما تكشفه رغم محدوديتها "،مبادرة الاصلاح العربي ،يناير2010.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://faculte.marocs.net
 
في الدستورانية العربية الجديدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
faculté pluridisciplinaire de nador :: دروس ، ملخصات ، نماذج إمتحانات ، بحوث ، مراجع ، الماستر الخاصة بشعبة القانون :: المكتبة القانونية-
انتقل الى: